الثلاثاء، 15 أغسطس، 2017

الأزمة الأخلاقية للأمة القطبية

في حياة الأمم وعلى مدار التاريخ يوجد دومًا ما يُسمى "الأمة القطب". أي الأمة أو الدولة التي تتجه إليها أنظار العالم أجمع في وقتها. فعلى سبيل المثال، في زمننا الحالي تأتي الولايات المتحدة الأمريكية على رأس القائمة كأحدث – أو آخر – أمة قطبية في العصر الحديث.


قبل الحرب العالمية الثانية، كانت بريطانيا هي زعيمة العالم، وقبل الحرب العالمية الأولى، كانت دولة الخلافة الإسلامية – الدولة العثمانية – يُحسب لها ألف حساب في العالم أجمع على الرغم من حملها لقب "الرجل المريض". 

ما هي المواصفات الظاهرية للأمة القطبية؟ 

أيًا كانت طبيعة الأمة القطبية الأخلاقية – حيث موضوعنا – فإن لها صفاتًا ظاهرية تتصف بها في أي زمن تظهر به:

1- القوة: وهو أمر لا يحتاج إلى قوة ملاحظة.

2- الهيمنة: وهي نتاج طبيعي لامتلاك القوة. 

3- اتساع مساحة السيطرة: راجع كيف كانت الدولة العثمانية أو الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس. 

4- التطور العلمي والتكنولوجي: ولاسيما التطور العسكري كذلك.

أمة – أو دولة – بهذه المواصفات، لا تفرض سيطرتها العسكرية أو الاقتصادية على ما حولها من الأمم فقط، وإنما تفرض كذلك سيطرتها الفكرية وما تحويه من قيم وأخلاق ومعايير اجتماعية، خاصة بها وحدها. 
عقدة المتفوق القوي

هي عقدة غريزية متواجدة عند جميع البشر. الجميع ينظر إلى المتفوق. فإذا كان ضعيفًا يتم القضاء عليه، أو على الأقل السيطرة عليه جسديًا. أما إذا كان قويًا، فلا سبيل إلى التغلب عليه، ومن ثم يلتف حوله الجميع مبدين إعجابهم، ومحاولين تقليده، وتتحول كل سكنة وكل حركة يقوم بها إلى حكمة الدهر التي أرهقت أجيال. 

حاول أن تتذكر ذلك الطالب المتفوق في مدرستك، وكيف كان ينظر إليه الجميع. بل انظر إلى أمهر وأذكى موظف في شركتك وكيف يتعامل معه الجميع. هذه فطرة بشرية. 

ولهذا السبب، في عصر كل أمة قطبية تتجه أنظار العالم أجمع إلى هذه الأمة في كل شيء، ويُنظر إليها نظرة النموذج الناجح Model والتي يسعى الجميع إلى تقليدها بشكل أعمى. ليس على المستوى المعيشي فقط، وإنما كذلك على المستوى الأخلاقي. وتجد أن المعايير التي تحكم حياتك والتي نشأت عليها قد تحولت تحولاً جذريًا من قيمك وأخلاقك – أيًا كانت – إلى قيم وأخلاق وشكل ونمط الحياة الذي يحياه أفراد الأمة القطب. 

متى تأتي المأساة؟ 

تأتي حينما تحرص الأمة الضعيفة على تقليد الحياة الظاهرة للأمة القوية، وليس الجوهر الخاص بهذه الحياة. فهم في هذه الحالة يقلدون النتيجة، وليس المنهج. ينبهرون بالنجاح، ولا يفكرون في الطريق إليه. يسعون إلى نمذجة أنفسهم إلى أمة متحضرة شكلاً ويغفلون – أو يتغافلون – عن القيمة الموضوعية لهذه الأمة. وتلك هي المشكلة. 

لذلك لا تتعجب حينما تجد شبابنا يقلد ما يرتديه الممثل الأمريكي الفلاني، أو لاعب الكرة الأسباني الفلاني، أو المغني البريطاني الفلاني، فقد انبهر بالنجاح والتقدم الذي وصل إليه هذا النموذج، ويظن أن العوامل الظاهرية هي سبب النجاح. هذا المشهد يتكرر بحذافيره عبر التاريخ، ويتم توزيع الأدوار فيه بين الأفراد حسب اتجاه الأمة القطب. 

ذكر الأستاذ محمد قطب في كتابه "رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر" هذا المشهد: 

"...كما أنه هذه الحالة للشباب المسيحيين في أوروبا دفعت القسَّ القُرْطُبي (الفارو القرطبي Alvaro de cordoba) أن يُصْدِرَ آهاتِـه في وثيقة كتبها سنة 240هـ (854م)، يَـنْـعَـى فيها ذلك على النصارى، سَمَّى تلك الوثيقة اللاتينية «الدليل المنير» Indiculus Luminosus، قائلا فيها: "يطرب إخواني المسيحيون بأشعار العرب وقصصهم، فهم يدرسون كتب الفقهاء والفلاسفة المحمديين لا لتفنيدها، بل للحصول على أسلوب عربي صحيح رشيق. فأين تجد اليوم عالمًا مسيحيًا يقرأ التعليقات اللاتينية على الكتب المقدسة؟" 

وأين ذلك الذي يدرس الإنجيل وكتب الأنبياء والرسل؟ 

وا أسفاه! 

إن شباب المسيحيين الذين هم أبرز الناس مواهب، ليسوا على علم بأي أدب ولا أية لغة غير العربية، فهم يقرؤون كتب العرب ويدرسونها بلهفة وشغف، وهم يجمعون منها مكتبات كاملة تكلفهم نفقات باهظة، وإنهم ليترنمون في كلّ مكان بمدح تراث العرب. 

وإنك لتراهم من الناحية الأخرى يحتجون في زراية إذا ذكرت الكتب المسيحية بأن تلك المؤلفات غير جديرة بالتفاتهم! 

فوا حرّ قلباه! 

لقد نسي المسيحيون لغتهم، ولا يكاد يوجد منهم واحد في الألف قادر على إنشاء رسالة إلى صديق بلاتينية مستقيمة! ولكن إذا استدعى الأمر كتابة بالعربية، فكم منهم من يستطيع أن يعبر عن نفسه في تلك اللغة بأعظم ما يكون من الرشاقة، بل قد يقرضون من الشعر ما يفوق في صحة نظمه شعر العرب أنفسهم ...."

انتهى المشهد المنقول .. 

هل يُذكرك هذا المشهد بشيء؟ هل تجد بينه وبين واقعنا تشابه؟ ... 

هذا هو بيت القصيد. 

المشهد السابق يعبر عن يوم من أيام ريادة أمة الإسلام في الأندلس، وتقدمها العلمي على علماء زمانها، وكيفية شغف أبناء الغرب بهم، وتقليدهم في الظاهر والباطن. أي أن أمة العلم هي التي تقود العالم أجمع في أي زمان ومكان.

ولكن تبقى المعضلة الأخلاقية قائمة .. فأمة الإسلام حينما تصدر الأخلاق مع العلم، فهي تصدر أخلاق نبوية قرآنية ترقى بنفوس من يتخلق بها. أمة الإسلام تزرع القيم السامية في نفوس أبناءها جنبًا إلى جنب مع العلم، فيسير الخلق والعلم كقرينان مجتمعان، فإذا انتقلت هذه الأخلاق إلى مجتمعات أخرى ترقى بها. ولكن: أين هذا في المجتمع الغربي؟ 

إذا تحدثت عن طالب العلم الحقيقي الملتزم الذي سافر إلى الغرب وتعلم العلم على أيديهم، ستجد أنه يتخلق بأخلاقهم بتلقائية – أخلاق علماء الغرب – فتجد في تلك الأخلاق ما هو مقبول، وما هو مرفوض. ولكنه – طالب العلم – يقع في فخ النمذجة، فيتحول إلى نموذج مماثل لأستاذه الغربي، وينسى الشق الأكبر من دينه وأخلاقه، انبهارًا بالعلم، سواء أكان ذلك الأمر تلقائيًا أم مقصودًا. 

هذا عن طالب العلم .. فماذا عن عامة الناس من العرب الذين يقلدون الغرب منبهرين في أسوأ ما يفعلون؟ 

لقد تحولت مجتمعاتنا العربية إلى مجتمعات مشوهة. فلا هي احتفظت بالطابع العربي الأصيل فيها (الشكل والمضمون) ولا هي اقتبست الحياة الغربية بشكل كامل (شكل ومضمون أيضًا). فتجد العربي يفخر بامتلاك أحدث أنواع الجوالات الحديثة، والسيارات الفارهة، والملابس التي هي على أحدث صيحات الموضة من علامات تجارية ضخمة .. كل هذا يفتخر بامتلاكه وينسى أنه لا توجد قطعة واحدة منه تحمل علامة (صنع في بلاد العرب). 

بل يفتخر أن كل مقتنياته تم استيرادها من دولة كذا أو كذا، ويحتقر بشدة أن يقوم بشراء أي منتج محلي، ولا يثق به. بل إنه حتى المنتج المحلي لا يحاول الارتقاء لمستوى المنتج المستورد لينافس بقوة. 

وقِس على هذا سائر سلوكيات وأخلاق المواطن العربي في ديار الإسلام أو في ديار الغربة. 

ما هو الحل؟ 

الحل يبدأ من الداخل وليس من الخارج. الحل يحوي في طياته الكثير من التفاصيل، نلخصها في المقالات القادمة كعناوين مستقلة. الحل الحقيقي يبدأ من الأسرة، ومن رب الأسرة الذي يعلم جيدًا دوره، وما يجب عليه فعله لمساعدة أمته في استعادة الهوية العربية الإسلامية التي أصبحت الآن ترتدي قبعة راعي البقر الأمريكي.

مع تحيات كريمة سندي

الأربعاء، 2 أغسطس، 2017

الاستعداد التام

يا أمة محمد فلنستعد كلنا لما هو آت بدءا من اليوم، عن طريق التمركز ثم الانضباط ثم الالتحام. حتى نحدث فرقا وصدى واسع في العالم ككل.

إن الأيام تمضى وكذلك السنين، والعمر يتقدم بنا، وما زلنا رغم ذلك في أوج شبابنا؛ لأن قلوبنا عامرة بالإيمان، ونفوسنا مطمئنة. فلنسعد بذلك. 

مع تحيات كرميلا 

الأحد، 16 أبريل، 2017

عالم بذاته

في أروقة سحر الكلم ..
نجد العلم يتربع في قلوبنا قبل عقولنا .. 
فيا أيها الإنسان انتبه جيدا لسحر الكلم ..
فالعلم يسمو به .. والمداد يجود به .. والقلم يتحرى الصدق في النفوس الطاهرة ..
لا تمزج العلم بتلوين الكذب ..
ولا تباهي بالجهل ..
احترم كلا من العلم والكتاب والمقال والخطاب والكلم والحرف، حتى تحترم ..
كن صادقا وواعيا وحكيما وتمثل بالخلق السامي ..
وارتقي ثم ارتقي ثم ارتقي بكل حواسك وفكرك وإحساسك ..
فالعلم مقدس . والجهل مدنس ..
ضع بصمتك المميزة بصمت ثم امضي في سكون ..
وكن كالمسطرة .. مستقيم!


مع تحيات ابنة الضاد كريمة سندي