الثلاثاء، 10 أكتوبر، 2017

كيف تبدأ نهضة أخلاقية من منزلك

كان الفتى نشيطًا، عظيمًا وطموحًا، فقال في مطلع شبابه "سأغير الكون". ومضت به السنوات النشيطة في ما بين متطلبات الحياة وتحقيق الذات، فعدل من رؤيته وقال "سأغير بلادي". كَبُرَ الأبناء وأصبح لهم جزء كبير من حياة الوالد مع مشغوليات الأب، فقال في نفسه معدلاً رؤيته "سأغير مدينتي"، غير أن العمر مضى وسنى الشباب ولت، وانحني الظهر، وأصبحت الحركة صعبة، فقال وهو يتكيء على عصاه "سأغير الحي الذي أقطن فيه".

ولكنه حينما انقضى عمره ورقد على فراش الموت أدرك الحقيقة، فقال:
"لو كنتُ بالحكمة الكافية لأدركت أن النفس هي الأشق في التغيير. فلو كنتُ تمكنت من تغيير نفسي، لغيرت الحيّ، والمدينة، والبلد، والكون كله".

من كتاب "المفاتيح العشرة للنجاح" للدكتور إبراهيم الفقي 
بتصرف

من قرأ المقالات السابقة يظن أن المهمة صعبة للغاية، وأنه ليس له دور في نهضة الأمة، وصلاح حالها وأخلاقها، وبالتالي، فسيكتفي بالقراءة، ويثني بالإعجاب على محتوى المادة، ويهزّ رأسه بأسف على حال الأمة، ثم يستمر في حياته بشكل طبيعي بدون تغيير حقيقي.
أ
و ربما يصيبك الإحباط لأنك لا تشعر بأن لك دور في هذه الخطة، وتشعر بصعوبة كبيرة في تحقيقها.

إليك البشرى إذًا: أنت عنصر فاعل شديد القوة في تحقيق هذه الخطة.


1.    مرحلة النفس

بل من الممكن أن يتطور دورك مع الوقت لتتحول إلى شخص أمكنه تغيير الحي الذي يقطن فيه، فالمدينة، فبلده، ثم الكون بأكمله. ولكن الشرط الأساسي هو: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) الرعد : 11

هذه القاعدة القرآنية جعلها الله سنة كونية للتغيير: أن التغيير يبدأ من النفس .. يبدأ من الداخل. يجب أن تبدأ من نفسك .. يجب أن تدرك أنك بحاجة إلى التغير. إذا كان لا يرضيك وضعك الحالي، وترغب في أوضاع أفضل للحياة، سواء لك أو للأمة، فحتمًا أنت لا تفعل ما يتوجب عليك فعله لصناعة هذا التغيير، وسواء أكنت مدركًا لوضعك أم لا، فأنت في حاجة إلى التغير كي تتماشى شخصيتك الجديدة مع التغيير الذي تنوي صنعه فيمن حولك.
التغيير الحقيقي في ذاتك يبدأ بعدة خطوات مدروسة:

1.       الإدراك: أن تدرك أن شخصيتك يعتريها القصور والنقص – وكلنا كذلك – وأنك في حاجة إلى جبر هذا النقص.

2.     الاعتراف: الإدراك وحده لا يكفي، فهو شعور داخلي لا يخرج إلى حيز الوجود، لذلك يجب أن تبدأ في الاعتراف أولاً أمام نفسك، وأمام المقربين منك في أوجه القصور في شخصيتك، وكيف يمكن رتق هذه العيوب، أو جلب هذه التحسينات.

3.    البدء: الله ينتظر منك خطوة واحدة فقط .. يقول في الحديث القدسي "من تقرب إليّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا .... الحديث". أنت لست في حاجة إلى أكثر من بدء الخطوة الأولى. ابدأ في ممارسة الرياضة الآن، ابدأ في القراءة الآن، ابدأ في تحسين نبرة صوتك الآن .. لا تكترث بما هو قادم. قد يرزقك الله مالا تتوقع .. فقد ابدأ الآن.

4.     المحاسبة: وهي الخطوة الطبيعية بعد البدء بفترة من الزمن. يجب أن تتوقف وتتساءل: أين أنا الآن؟ هل وصلت إلى ما أريد الوصول إليه؟ ما هي التحسينات المقترحة في الطريق؟

5.    التحسين: هي مرحلة الارتقاء، وستصل إليها تباعًا لجهدك، فالإنسان بطبعه لا يرضى عن حاله، حتى في حالة الارتقاء بالنفس، يبحث الإنسان دومًا عن الأفضل، لذلك تعتبر خطوة التحسين أكثر الخطوات متعة في رحلة الإنسان نحو التغيير.

إذًا، يجب أن تبدأ التغيير بنفسك في نفسك. والتغيير يبدأ دومًا من الداخل بإدراك الحاجة إلى التغيير والتحسين، والاعتراف بذلك، فالبدء بالتغيير، والمحاسبة على النتائج، والتحسين المستمر. هذا فيما يتعلق بشخصيتك ونفسك. فكيف الأمر مع من حولك؟

2.    مرحلة القدوة

مرحلة القدوة هي مرحلة طبيعية في رحلة الإصلاح، وقد بدأتها أنت بالفعل حينما فعّلت الخطوات السابقة في حياتك. كونك بدأت في تغيير نفسك في الأساس يحولك إلى قدوة ينظر إليها من حولك بتقدير وإجلال.

لم يكن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يكتفي بالوعظ، وإنما كان يتحرك بين الناس قرآنًا يمشي على الأرض بأخلاقه وأفعاله. تلك الأخلاق التي أبهرت الغرب في رقيها وسموها وتميزها.

أنت نفسك حينما ترتقي بأخلاقك ستتحول إلى قدوة ينظر إليها الناس ويقتدون بها، دون حتى أن تشعر.


3.    مرحلة السعي الداخلي

المقصود بالسعي الداخلي هو بناء الأسرة. الأسرة هي القاعدة التي يجب أن تنطلق منها بعد النفس. الآن لديك منهجية محددة. يجب أن تبدأ بتطبيقها على نفسك وأسرتك. تنقسم هذه المنهجية إلى 3 خطوات:

1)      نموذج المشكلة والحل (ترجمة وتعريب العلوم):

في هذا التدريب يجب أن يعتاد أفراد الأسرة – كبارًا وصغارًا – على طريقة حل المشكلة في خطوات بسيطة:
-        عرض المشكلة بوضوح
-        استعراض أفضل الحلول المتوفرة من المصادر العربية والأجنبية (الترجمة)
-        اختيار أفضل الحلول واعتمادها
-        تسجيل التجربة (الخبرة) باللغة العربية (التعريب).

2)    الإبداع
لا يجب أن يقتصر الأمر على الاكتفاء بالحل القادم من الغرب (المصادر الأجنبية)، ولكن يجب وضع اللمسة العربية وتقدم حل جديد. يجب تدريب أفراد الأسرة على تطوير الحل القائم – القادم من الغرب لعدم إعادة اختراع العجلة – وإضافة لمسة جديدة، تحمل الصبغة العربية.

3)   التأصيل
قد يبدو هذا الجانب بعيد كل البعد عن الخطوات العملية السابقة، ولكنه أشبه بالداعم المعنوي الذي يسير بالتوازي مع هذه العملية.

هذه الخطوة تقتصر على قص القصص .. نعم .. مجرد رواية قصص العظماء من أبناء الأمة العربية قديمًا، والذين بنى الغرب مجده على أكتافهم. كثرة تكرار هذه القصص – على غزارتها وتنوعها – ستؤدي إلى إرساء انتماء ضمني إلى أصولنا العربية والإسلامية، وإنهاء التبعية الغربية بسلاسة، وبدون تصادم صريح مع أي طرف.


4.    مرحلة السعي الخارجي

المرحلة السابقة كانت بمثابة ورشة عمل داخلية، توضح طريقة عمل النموذج، خطواته، نتائجه، وآثاره .. ستعطيك قدر كبير من الخبرة، تكون نقطة ارتكاز تنطلق منها إلى التطبيق في المجتمع.

تحدثنا عن استراتيجيات نشر هذا الفكر والمفهوم في المجتمع في المقالات السابقة (يمكنك العودة إليها منعًا للتكرار).

ولكن سعيك الخارجي الفردي يجب أن يتمثل في نشر هذا المفهوم والنموذج على المستوى المحلي بين الأصدقاء وزملاء العمل والمعارف والأقارب، حتى يتحول إلى منهج حياة لدى الكثيرين.

لاحظ أن قوة نشر فكرتك ستأتي في الأساس من نجاحك في تطبيقها على مستوى الأسرة – مرحلة السعي الداخلي – لأن هذا النجاح سيعطيك قوة دافعة داخلية تشجعك على المضي قدمًا في نشر تجربتك، ومن ناحية أخرى ستبرهن للجميع أن تجربتك ناجحة وممكنة، ويمكن تكرارها على مستويات أكبر، وفي مجالات وعلوم مختلفة، وكذلك النتائج الأخلاقية لهذه التجربة، وهو الهدف الأكبر من هذا السعيّ.

لا يوجد معيار للسعي الخارجي يمكن القياس عليه، ولكن كل ما عليك فعله هو السعي، والنتائج بيد الله، كما قال المثل العربي "ما عليّ السعيّ، وليس عليّ إدراك النجاح". وإذا كان لديك خطة أو منهجية مقترحة سنكون جميعًا سعداء بعرضها في التعليقات أو بالتواصل المباشر.

الخلاصة:

تعديل منظومة الأخلاق يرتبط بشكل أساسي بضبط جوانب الحياة كافة. العلم هو مفتاح تقدم الأمم ورقي الشعوب، وبه يرتفع انتماء الشعوب لأصولها.

النهضة العلمية ليست مستحيلة، ولكنها تحتاج إلى الكثير من الجهد. يجب الاعتراف بتفوق الغرب كمرحلة أولى، ولذلك يجب تنشيط حركة الترجمة لأجل التعلم، يتبعها تعريب العلوم بشكل كامل، ثم التطوير في تلك العلوم، وتسجيل التطوير باللغة العربية لدعم لغة الضاد.

النتائج المتوقعة لهذه الخطوات، تنمية أخلاقية شاملة، نابعة من الارتكاز على تاريخنا العربي الإسلامي، وتشجيع النشء على التخلق بأخلاق العلماء الأوائل، ومن حازوا السبق والريادة في العالم القديم، وعلى أكتافهم بنى العالم الحديث نهضته الحديثة.



مع تحيات المستشارة المستقبلية ابنة الضاد كريمة سندي

الاثنين، 9 أكتوبر، 2017

أثر النهضة العلمية على النهضة الأخلاقية

مازال البعض يتسائل عن ضرورة عودة "دورة العلم" لحوزة العرب، وعلاقة هذا بالتطور الأخلاقي. فقد تطرقنا في المقالات السابقة عن ضرورة اعتماد لغة الضاد كلغة رسمية في الحياة بشكل عام، والحياة العلمية بشكل خاص، ثم عرجنا إلى دورة العلم، وكيف أنها كانت عند العرب، ثم أصبحت عند الغرب، وضرورة أن تعود إلى العرب مرة أخرى، والمنهجية المتبعة لذلك (لطفًا عُد إلى المقالات السابقة منعًا للتكرار).

الآن السؤال يطرح نفسه: ما علاقة الأزمة الأخلاقية التي تحياها الأمة بالتقدم العلمي؟ وهل له أثر في علاجها؟

كي نجيب على هذا السؤال يجب أن نحدد الآثار الأخلاقية لاعتماد العرب على الغرب بشكل كلي في استقدام العلوم، وعدم بذل الجهد في تعريبها، أو تحديثها في الجامعات العربية. منها على سبيل المثال لا الحصر:

1-      تغيير مفهوم الوطن: العالم الذي يبذل قصارى جهده في الأبحاث لتطوير أحد العلوم، ويجد عجزًا وقصورًا شديدًا في الجامعات العربية، أو الدعم الحكومي له، يبحث عن مصدر آخر للدعم. مثل الجامعات الغربية التي تؤمن بقوة العلم، وبقوة أبحاثه.

فيرتحل العالم من بلده إلى البلد التي تدعم العلم، ويقضي فيها معظم سنوات عمره، وتتحول علاقته ببلده إلى علاقة هامشية باهتة، ويصبح وطنه هو ذلك الذي يحيا فيه، ويجد فيه الدعم العلمي والمادي والمعيشي والاجتماعي.

ما أخبر به الآن ليس حدثًا فريدًا، أو أمر سطحي، بل ظاهرة تحدث كل يوم في جميع أنحاء الوطن العربي، فيما يُسمى بـ "هجرة العقول". دولة ضخمة مثل مصر وحدها، في الحقبة السابقة، فقدت أكثر من 1,500,000 ألف عالم وباحث، يحيون حياة كاملة خارج مصر. حاول أن تتخيل العدد الكلي للعلماء من جميع أنحاء الوطن العربي.

2-     تغيير المفاهيم الأخلاقية: نحن كعرب يدين معظمنا بدين الإسلام، نستقي أخلاقنا وقيمنا من الدين الإسلامي. وبناءً على هذه الأخلاق نحيا حياتنا. الظاهرة المؤسفة هو أن المغترب الذي يحيا في دولة أوروبية ينبهر بظاهر التطور التكنولوجي والاجتماعي والمعيشي، ثم ينظر في حال الدول العربية، وما هي فيه من تأخر، فيظن أن الدين أو العادات التراثية هي السبب في مثل هذا التأخر.

وفي نفس الوقت ينظر إلى الغرب وما فيه من تقدم، وابتعاده عن الدين، أو تهميش دوره في الحياة، فيظن أن هذا هو سر تقدم الغرب.

هذا التغير السطحي في المفاهيم هو الذي يدفع الجيل الجديد من الشباب إلى الهجرة خارج البلاد بدون رغبة في العودة، ومع ازدياد العدد يتحول الأمر إلى توجه عام لدى معظم الشباب إلا من رحم ربي.

كل هذا يحدث في ظل تجاهل تام للقيم الأخلاقية الإسلامية الأصيلة، وميل مرضي للشباب ناحية نمط الحياة الغربي بكل عيوبه ومزاياه.

3-   دعوة ضمنية للكسل: الحل دائمًا لدى الآخرين، لدى الغرب. ظهرت مصائب كارثية مثل فيروس أنفلونزا الخنازير، فكيف كان رد الفعل لدى الأمة العربية والإسلامية؟

كيف سيقومون بعلاجه؟ تُرى متى يقومون بعلاجه؟ ما هي آخر الأبحاث العلمية – لدى الغرب – في هذا المجال؟

ولكن أي نشاط علمي ذاتي لعلاج المشكلة من قبل الجانب العربي.... لن تجد للأسف. لأننا اعتدنا أن العلم لديهم، والتكنولوجيا لديهم، وأنهم لا يتوقفون عن التطوير والتعليم والاختراع والابتكار وإخراج الجديد، بينما نحن في مقاعد المتفرجين المستهلكين، ونكتفي بدفع الثمن فقط .. إلى متى سيستمر هذا الوضع؟

في الواقع يمكنني سرد العديد من الأسباب، ولكن الأمر ظاهر للجميع وليس في حاجة إلى توضيح، ولا تفضي إلا إلى حل واحد: يجب أن تنتهي التبعية العلمية للغرب في أقصر وقت ممكن.  

يجب أن تتوقف هجرة العقول .. يجب أن تدعم الدولة العقول المبدعة .. يجب أن يتغير مفهوم الهجرة لدى الشباب .. يجب إعادة هيكلة وتطوير المجتمع بشكل إيجابي حتى لا ينبهر الشباب بحياة أفضل – في ظاهرها – من حياته، ويقرر هجر وطنه، وتقديم عصارة فكره وجهده إلى الغرب، ويظل المجتمع العربي فقير من المبدعين والمفكرين والعلماء والمجتهدين من أبنائه.

آثار النهضة العلمية

الآن لنأخذ جولة خيالية فيما يمكن أن تصبح عليه الأمور إذا تحقق ما تحدثنا عنه في المقالات السابقة (نشاط في حركة الترجمة، تعريب العلوم، تطوير العلوم بصبغة عربية):

1.    ذهاب التبعية:
لن يكون هناك انبهار بالغرب. لن يكون الشاب العربي في حاجة إلى الخروج – أو فلنقل الهروب – من واقعه إلى دولة أخرى تقدم له العلم والفن والجمال والراحة والمستوى المعيشي المبهر. إذا تم تحقيق كل هذه الامتيازات – الظاهرية – في وطنه، ما الذي يدفعه إلى الخروج/الهروب؟

ذهاب التبعية ليس إجراءً نفسيًا بقدر ما هو اتجاه حكومي عام. يجب أن تستغل الحكومات عقول العلم والإبداع التي نمتلكها بالفعل، لإنتاج حياة مبهرة  كالتي يحياها الغرب وأكثر، فلا يشعر الجيل الجديد بأي شعور بالنقص تجاه ما تقدمه الحضارة الغربية، وبالتالي تنتفي التبعية العلمية أو الحضارية للغرب.

2.    زيادة الثقة بالنفس:
ذهاب التبعية ليس هو مربط الفرس، فقد يكون حالة مؤقتة للشعوب ويعود مرة أخرى بعد فترة – أو في حالة حدوث أزمة – أشد قوة.

لفهم هذه النقطة يجب أن ننظر إلى اليابان قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها. هل تغير الوعي الجمعي لشعبها ما بين قبل وبعد الحرب؟ هل شاهدت أحد الشباب الياباني يغادر وطنه لأن الأوضاع فيه سيئة والحياة لا تُطاق، ويرغب في تجربة الحياة الأوروبية المريحة؟ هذا هو بيت القصيد. اليابان هي اليابان .. لم تختلف يابان قبل الكارثة – هيروشيما وناجازاكي وخسارة حرب عظمى واحتلال اقتصادي وإذعان لشروط جائرة – عن يابان بعد الكارثة.

مفاد هذا المثال أن عنصر الثقة بالنفس متوفر لدى الشعب الياباني ولم تغيره الظروف المريعة التي مرت بها البلد. وسر نهضة اليابان ليس العزيمة فحسب، ولكن الثقة بالنفس في القدرة على البناء.

الأمر لا يقتصر على ذهاب التبعية، ولكن على بناء شخصية مستقلة تتسم بالثقة بالنفس. عنوان هذه الشخصية: نحن لا نشتري الحلول .. نحن نصنعها.

النهضة العلمية لا يجب أن تؤدي إلى ذهاب التبعية فحسب، ولكن إلى تمكين ثقة عظيمة بالنفس في كل ما يتصل بمناحي الحياة.

نحن يجب نصنع الحياة، ونهديها للآخرين ... لا أن نشتريها منهم بالمال .. نحن أمة مستقلة، لا أمة عويلة .. نحن أمة يجب أن تكون منارة هداية كريمة لكل شعوب الأرض، لا أمة ذليلة تستعطف الغرب ليجود عليها ببقايا نعمه.

ما يجب أن نعيه جميعًا هو أن الغرب لن يأتي يومًا ليعطينا التكنولوجيا التي يتفوق بيها علينا، لنتفوق بها عليه .. يجب أن نصنعها نحن بأيدينا. لا تنظر إلى أحدث الجوالات التي تُصدر في الولايات المتحدة أو أوروبا وتراها في يدك بعدها بأسبوع، ولكن انظر إلى علوم حساسة كسباق التسليح على سبيل المثال .. إلى تكنولوجيا الفضاء .. إلى أبحاث البيولوجيا الحيوية .. هذه العلوم لن يبيعونا إياها، ولا أجهزة العمل عليها، ولا حتى نتائج الأبحاث، فضلاً عن أن نكون نحن بالحماس الكافي لطلبها والعمل عليها.

يجب إذًا التأكيد على أن النهضة العلمية ستعيد الثقة بالنفس لأفراد الأمة في كوننا نستطيع الاعتماد على أنفسنا بشكل كامل، دون الحاجة إلى الغرب إلا في الحدود المسموح بها، والتي تتساوى فيها الرؤوس والدرجات العلمية، كالأبحاث المشتركة أو ما شابهها.

3.    العودة إلى الأصول الأخلاقية

لن تقوم للأمة قائمة مالم تعود إلى الأصول الأخلاقية التي كانت تنظم حياتها قديمًا، فتستعين بها لتنظم تلك الحياة حديثًا.

لا أتحدث هنا عن التطور التكنولوجي، وليس معنى العودة إلى الأصول، نبذ العلم والتقدم (كما يروج الملاحدة والعلمانيون)، فعلماء القرون الأوائل كانوا – ومازالوا – هم المرشدون لكل العلوم الحديثة في الغرب، ولكن من منهم تخلى عن ثوابته الإيمانية والأخلاقية، بدعوى أنها سبب من أسباب التخلف؟ لا أحد بالطبع.

كاميرا جوالك هي أحدث ما وصلت إليه الأبحاث التي بدأها ابن الهيثم منذ قرون فيما أطلق عليه (القُمْرَة) وتم تحريفه إلى كاميرا Camera باللاتينية. وكان ابن الهيثم تقيًا ورعًا. خيوط الجراحة الداخلية المستخلصة من أمعاء القطط بالإضافة إلى  الكثير من الأدوات الجراحية مازالت تُستخدم حتى الآن، من اختراع العالم المسلم أبو القاسم الزهراوي، وكان يقول: فعلتها ابتغاء وجه الله.

علوم العرب كانت ذات دعائم أخلاقية دينية، ولم يشذ عن السرب أحد، ولم يسجل التاريخ انحراف أحد العلماء المشهورين أخلاقيًا. فلماذا يشذّ الجيل الحديث إذًا؟

لا علم بلا أخلاق .. بل إن العلم الذي تزامن مع انعدام الأخلاق أنجب علومًا مدمرة أودت بالبشرية. القنبلة الذرية هي علم بلا أخلاق .. الفيروسات المصنعة في معامل الهندسة الوراثية هي علم بلا أخلاق .. أبحاث إنجاب الذكور التي تتم لصالح الشواذ في أمريكا هي علم بلا أخلاق.

لكي تضبط المنظومة أنت في حاجة إلى الانتماء. وإذا كانت انتماءاتنا تتسم بالخيرية وصلاح الخُلُق، فلماذا إذًا نتجه صوب الغرب؟



إذًا، الحل المختصر في رأيي هو البدء بترجمة العلوم، فتعريبها، ثم نهضة علمية، وستأتي بعدها النهضة الأخلاقية كتتابع منطقي، بشرط العودة للأصول.


مع تحيات المستشارة المستقبلية ابنة الضاد كريمة سندي

الثلاثاء، 3 أكتوبر، 2017

دورة العلم يجب أن تعود للعرب

حل الأزمة الأخلاقية لن يأتي بالتوجهات المباشرة في مناقشة قضايا الأخلاق وعلاجها بشكل ظاهري. فهو أشبه بمن ذهب إلى شخص يدخن ليقول له: "لا تدخن". هذه تصرفات سطحية في علاج مشاكل جوهرية. معظم المعضلات الأخلاقية لدى الشباب سببها ملء الوقت بالتوافه، وعدم الاهتمام بالعلم. ولكن الأمة التي تنشغل بالعلم لن يكون لديها وقت تضيعه في توافه الأمور.

إذا أردنا أن نعالج أزمة واقعية، يجب أن نكون واقعيين بشأنها. لا يجب أن نأخذ الأمور بسطحية تُذهب بلُبَّ الموضوع. لا يوجد ما يدعو الشاب إلى التوقف عما يفعل إلا إذا وجد شيء أكثر متعة يجذبه إليه ليفعله. هذا هو بيت القصيد.

لذلك سيتناول هذا المقال الخطوات العامة المقترحة لنهضة علمية، وكيفية حث الشباب على تغيير نمط حياته إلى ما هو أفضل.

3 خطوات لنهضة علمية شاملة


الخطوات الثلاث التالية ليست إبداع شخصي، أو جهد ذاتي، وإنما هي استقراء واقعي لمفهوم دورة العلم، وكيف يمكن إعادة النهضة لأمتنا بخطوات واقعية.

أولاً: مرحلة الترجمة

هي مرحلة واقعية للغاية. فالعلم الآن ليس لدى أمة العرب، وإنما غربي بحت. سواء أكان تدوين العلم باللغة الإنجليزية أو بلغات أخرى، يجب أن تنشط حركة الترجمة لتعريب العلوم، وتيسيرها على قارئي العربية.

للأسف تنتشر بين بعض العلماء والمثقفين مقولة "الإنجليزية هي لغة العلم". نعم هي لغة العلم .. الاعتراف بالحق فضيلة، ولكن هذه الجملة تحتاج إلى إضافة أخرى كالتالي: "الإنجليزية هي لغة العلم في هذا العصر" لتوضيح الفارق في تحول دورة العلم لهذه الحقبة من الزمن لصالح لغة غربية.

تذكر من المقال الافتتاحي أن لغة العلم كانت يومًا هي اللغة العربية، وكان يجب على طالب العلم الغربي تعلم اللغة العربية وإتقانها للتمكن من دراسة العلوم العربية .. ثم ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية أو اللاتينية لتمكين أهل البلد من الاستفادة بها .. وهذا هو المقصد من خطوة الترجمة.

الترجمة هي خطوة شديدة الأهمية للإطلاع على أحدث ما وصلت إليه معرفة البشرية في علم من العلوم. بعض المتعصبين لجنسه يرفض اللجوء إلى العلوم الغربية الغريبة بالكلية، مدفوعًا بنزعته القومية أو الدينية، ويُفضل البحث من البداية بنفسه، أو الرضا والاعتماد على الحالي أو القديم من العلوم تَعَصُّبًا.

في صدر ازدهار وقوة الدولة العباسية، كان خلفاء بني العباس يُعطون المترجمين وزن ما يترجمونه ذهبًا، تقديرًا منهم لأهمية حركة الترجمة والإطلاع على علوم الأمم الأخرى، لرفع شأن أمة الإسلام. المسلمون الأوائل كانوا يحكمون بميزان واقعي على الأمور، ولا ينظرون إلى علوم الكُفَّار – على حد تفضيل البعض استخدام هذا المصطلح – نظرة رفض أو ازدراء.

ليس من المنطقي أن نعيد اختراع العجلة، فهذا تضييع للوقت وقِصَر نظر مذموم، ولكن واقعية الوضع الآن تقتضي بالاعتراف بالسبق العلمي للغرب، والبدء في استقاء أحدث ما وصل إليه العلم منهم، ونقله إلى لغتنا ثم البدء بالخطوة التالية.

ثانيًا: مرحلة التعريب

مرحلة تعريب العلوم هي المرحلة التالية والمكملة للترجمة. الكثير من الدول العربية – حتى الآن – تُصرّ على تدريس الكثير من العلوم الرئيسية والهامة في شتى مناحي الحياة باللغة الإنجليزية.

هل رأيت مناهج كلية الطب في دولة عربية باللغة العربية؟ كلية الهندسة؟ برمجة الكمبيوتر؟ لا .. جميع العلوم باللغة الإنجليزية، والجميع يتحرك وكأنه قد ارتاح لهذه الحقيقة من باب التعود أو الألفة، ولم يعد يشغل ذهنه أو حتى ينظر إلى ضرورة ملحة لتعريب العلوم للجيل القادم، بل إن معظم الأبحاث والدراسات العليا للطلبة في تلك الكليات تتم باللغة الإنجليزية، بل إنه في بعض الأحيان يُفضل الطلبة والأساتذة التواصل والتدريس باللغة الإنجليزية كاملةً بدعوى أن العلم بالكامل تم تسجيله باللغة الإنجليزية، ولم يحاول أحدهم يومًا أن يكسر هذه القاعدة، سواء أكان الأمر كسلًا أم احترامًا للغة العلم في هذا العصر.

لو رضينا بهذا الوضع، لن نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام، وستظل التبعية قائمة إلى الأبد، ولن نستطيع يومًا الوصول إلى المرحلة التالية.

ولا يجب أن نعجب أبدًا من تدوين العلم باللغة العربية، فهذا هو الأصل. لقد كان طلبة الطب في الجامعات الأوروبية لقرون عديدة يستذكرون دروسهم من نسخ كتب القانون في الطب لابن سينا، ويستخدمون الأدوات الجراحية التي ذكرها أبو قاسم الزهراوي في كتابه المعجز "التصريف لمن عجز عن التأليف" والذي رسم فيه الأدوات الجراحية اللازمة لإجراء العمليات الجراحية المعقدة، والتي مازالت تستخدم حتى الآن في جميع العمليات الجراحية. كل هذه العلوم كانت مدونة باللغة العربية، وكان الغرب يستوعب هذا الأمر جيدًا. لماذا إذًا يعجز أبناء العرب اليوم عن استيعاب فكرة أن يتم تدوين علوم الطب والصيدلة والهندسة وغيرها باللغة العربية؟

ثالثًا: مرحلة التطوير

لن نظل أسرى لعلوم الغرب. لن نكتفي بدور ناقل العلوم المستهلك الذي يكتفي بما وصل إليه الآخرون، ونتكاسل عن تطوير أنفسنا وتصدير لمساتنا العلمية والحضارية للعالم، كما فعلنا من قبل.

إذا قمنا بإتمام مرحلتي الترجمة والتعريب بإتقان، فستأتي مرحلة التطوير بشكل تلقائي دون بذل جهد إضافي لدعمها، أو الدعوة إليها. لماذا؟

الأمر لا يدعو إلى التساؤل، فحال طالب العلم دومًا التفكير والبحث، وتطوير المادة العلمية التي بين يديه. فهناك الكثير من التساؤلات التي تبحث عن أجوبة، وهناك طرق أسهل لأداء نفس الشيء لتوفير الوقت أو للوصول لنتيجة أفضل، وهناك أمور لم يتطرق إليها باحث ولم يجد لها نتيجة، وهناك الكثير من التجارب التي تبحث عمن يؤديها ويسجل النتائج .. عجلة العلم لا تتوقف ولن تتوقف أبدًا، والعلم دائم النهم للكشف عن المزيد من الأسرار.

والنتيجة الطبيعية لدراسة العلوم باللغة العربية، هي تطويرها وتدوينها باللغة العربية كذلك. وإذا تم الحرص من الأساتذة والباحثين وطلبة العلم على تدوين العلوم وتسجيلها باللغة العربية، واختيار الألفاظ والمصطلحات العربية المعبرة عن الأمور المستحدثة في العلوم كافة، بدلاً من المصطلحات الإنجليزية.

مع الوقت، ومع اقتصار تدريس العلوم الجديدة والمستحدثة على العالم باللغة العربية، لن يجد الطالب الغربي بُدًّا من العودة إلى ديار العربية مرة أخرى، لأنها لغة العلم الذي يريد، ولن يمضي وقت طويل حتى تعود الريادة العلمية إلى أمة الإسلام مرة أخرى، واللغة العربية هي لغة العلم في العالم أجمع كما كانت من قبل.

هذه العملية بها الكثير من التفاصيل، مثل احتضان العلوم والعلماء في البلدان العربية كما يحدث الآن لعلماءنا في الدول الغربية، وكذا الاهتمام بارتقاء وريادة الجامعات العربية على مستوى العالم، وإنشاء الجوائز الشرفية والعلمية التي ينالها الطالب والباحث بعد جهد علمي مميز – مثل جائزة نوبل – واعتمادها والاعتراف بها عربيًا أكثر من الجوائز العالمية الأخرى، وكذلك تطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وارتفاع مستوى معيشة الفرد، والمزيد من التفاصيل الأخرى. الأمر فقط يحتاج إلى الوقت، والالتزام في تنفيذ هذه المنهجية.


ما أثر ذلك على علاج أزمة الأخلاق؟ هذا هو موضوع مقالنا القادم إن شاء الله. 

مع تحيات المستشارة المستقبلية ابنة الضاد كريمة سندي